الجاحظ
334
المحاسن والأضداد
فأفرط تميم في الطرب جدا ، وقال لها : « تمنّي ما شئت ، فلك مناك » ، قالت : « أتمنى أيها الأمير ، عافيته وسلامته » ، فقال : « واللّه لا بدّ أن تتمني » ! فقالت : على الوفاء ، أتمنى أن أغنّي هذه النوبة ببغداد » . فتغيّر وجه تميم ، وتكدّر المجلس ، وقمنا ، فلحقني بعض خدمه ، فردّني ، فلما وقفت بين يديه ، قال : « ويحكم ، أرأيت ما امتحنا به ، ولا بدّ لنا من الوفاء ، ولم أثق في هذا بغيرك ، فتأهّب لحملها إلى بغداد ، فإذا غنّت هناك ، فاصرفها » ، فقلت : « سمعا وطاعة » . ثم أصحبها جارية سوداء تخدمها وتعدلها ، وأمر بناقة لي ، فحمل عليها هودج ، وأدخلت فيه ، وسرنا مع القافلة إلى مكة ، فقضينا حجّنا ، ثم لما وردنا « القادسية » ، أتتني السوداء فقالت : « تقول لك سيدتي أين نحن » ؟ فقلت : « نحن الآن بالقادسية » . فأخبرتها ، فسمعت صوتا قد أرتفع منشدا : لمّا رأينا القادسيّة * حيث مجتمع الرّفاق وشممت من أرض الحجاز * نسيم أنفاس العراق أيقنت لي ولمن أحبّ * بجمع شمل واتّفاق وضحكت من فرح اللقا * ء ، كما بكيت من الفراق فصاح الناس من أقطار القافلة : أعيدي باللّه ، فلم يمسع لها كلمة . فلما نزلنا « الناصرية » ، على خمسة أميال من بغداد ، في بساتين متصلة ، تبيت الناس فيها ، ثم يبكرون ببغداد ، فلما قرب الصباح ، إذ السوداء قد أتتني مذعورة ، فقالت : « إن سيدتي ليست بحاضرة » ، فلم أجدها ، ولا وجدت لها ببغداد خبرا ، فقضيت حوائجي ، وانصرفت إلى تميم ، وأخبرته خبرها ، فلم يزل واجما عليها . وأخبار القينات كثيرة ، فنقتصر منها على هذا القدر . قيل : كان يقال : من أراد قلة المئونة ، وخفّة النفقة ، وحسن الخدمة ، وارتفاع الحشمة ، فعليه بالإماء دون الحرائر » . وكان مسلمة بن مسلمة يقول : « عجبت لمن استمتع بالسراري ، كيف يتزوج المهائر » ؟